الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

45

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

والكل في أعلى درجات البلاغة والإعجاز ، وهذا ما تنقطع دونه الأعناق ، من هذه الآية : 1 - قوله تعالى في سورة النحل : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [ النحل : 4 ] ، تذكر هذه الآية مبدأ التطور في خلق الإنسان ، ثم نهايته ، مع الإعراض عن المراحل والتطورات التي بينهما ، والحكمة في ذلك أن هذه السورة جاءت لتعديد نعم اللّه تعالى على خلقه ، حتى سماها بعض المفسرين سورة النعم . من أجل ذلك ذكرت الآية المبدأ الأول لتصوير الإنسان وتخليقه ، ثم طوت المراحل المترتبة على هذا المبدأ ، وأتت بالنتيجة والغاية ، وهو أنه خَصِيمٌ مُبِينٌ [ النحل : 4 ] ، إذ أن ذلك في باب تعداد النعم ظاهر ، واضح ، ومشاهد محسوس ، ومما يدل على أن هناك وسائط وأطوارا في الآية الكريمة ، وجود فاء التعقيب ، وإذا التي للمفاجأة ، فإن كونه خصيما لا يعقب ولا يفاجئ كونه نطفة ، والمعنى أنه قوى واشتد بتنقله في هذه الأطوار ، حتى أعقب ذلك وفاجأه أنه خصيم مبين ، ومعنى أنه خصيم مبين ، أي شديد الخصومة بينها يفصح عما في نفسه بالنطق والبيان . 2 - قوله تعالى في سورة الزمر : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [ الزمر : 6 ] ، تتصل هذه الجملة الكريمة بأول الآية قبلها : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [ الزمر : 6 ] ، فهي بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسى ، إظهارا لما فيها من عجائب القدرة . ومعنى قوله تعالى : خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ [ الزمر : 6 ] ، أي حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما ، من بعد عظام عادية ، من بعد مضغ ، من بعد علق ، من بعد نطف . وأما قوله سبحانه : فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [ الزمر : 6 ] ، فقد قال أئمة التفسير إنها ظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة التي هي غلاف الولد ، وظلمة البطن . أما أهل التشريح ، فقد قالوا ما قرب من هذا ، فقد جاء في مجلة لواء الإسلام ، العدد الثاني ، شوال سنة ( 1387 ه ) ( 15 ) فبراير سنة ( 1964 م ) ، للأستاذ صلاح أبو إسماعيل ، ما نصه : ثم نرهف السمع إلى علم الأجنة لنسمعه يقرر أن الجنين في بطن أمه يكون محاطا بثلاثة أغشية صماء ، لا ينفذ منها الماء ، ولا الضوء ، ولا الحرارة ، ونرى هذا يلقى ضوءا على قوله تعالى : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [ الزمر : 6 ] . أ . ه .